كان أحمد وكابلان يجلسان معًا في مقهى هادئ. كانا يعرفان بعضهما منذ مدة، وعلى الرغم من اختلافهما حول الدين، فقد كان كل منهما يحترم الآخر بما يكفي ليتحدث معه بصدق
كان كابلان ملحدًا
وكان يعتبر نفسه شخصًا عقلانيًا وشكاكًا. ولم يكن يريد أن يقبل الادعاءات الدينية لمجرد أن أحدًا أخبره بقبولها
وكان أحمد مسلمًا
ولم يكن يريد من كابلان أن يقبل الإسلام بسبب الضغط أو العاطفة أو التأثير الاجتماعي. كان يريده أن يفكر، ويبحث، ويسعى إلى الحقيقة بإخلاص
وبدأ حوارهما بعبارة بسيطة
أنا لا أؤمن بالله لأنني لا أستطيع رؤيته
كابلان
سأكون صريحًا معك تمامًا
أنا لا أؤمن بالله
أحمد
لماذا؟
كابلان
لأنني لم أرَ الله قط
أنا أؤمن بما أستطيع رؤيته بعينيّ. فإذا كان الله موجودًا حقًا، فلماذا لا أستطيع رؤيته؟
أحمد
أقدّر صراحتك
لكن دعني أسألك سؤالًا
هل قاعدتك حقًا هي: «إذا لم أستطع رؤية شيء بعينيّ، فلن أؤمن بوجوده»؟
كابلان
نعم. هذا هو موقفي أساسًا
أحمد
إذن فلنفحص هذا المبدأ بعناية
لا بالعاطفة
ولا بالاحتجاج بالتقاليد
ولا بقول: آمن فحسب
لنستخدم العقل نفسه الذي تستخدمه في حياتك اليومية
هل الرؤية هي السبيل الوحيد للمعرفة؟
أحمد
هل تستطيع أن ترى الجاذبية بعينيك
كابلان
لا
أحمد
لكنّك تعرف أن الجاذبية موجودة من خلال آثارها
ترى الأشياء تسقط
وتلاحظ سلوكًا يمكن التنبؤ به
وتقيسها
كابلان
نعم
أحمد
هل تستطيع أن ترى مجالًا مغناطيسيًا بعينيك المجردتين؟
كابلان
لا
أحمد
لكن يمكنك ملاحظة آثاره
هل تستطيع أن ترى إشارة راديو تنتقل عبر الهواء؟
كابلان
لا
أحمد
ومع ذلك يستطيع هاتفك استقبال معلومات عبر إشارات كهرومغناطيسية لا تستطيع رؤيتها بعينيك
هل تستطيع أن ترى أفكارك أنت؟
كابلان
ليس بصورة مباشرة
أحمد
لكنّك تعرف أنك تفكر
هل تستطيع أن ترى ألم شخص آخر نفسه؟
كابلان
لا
أحمد
ومع ذلك يمكنك أن تعرف أن شخصًا يتألم من خلال الأدلة
إذن ربما ليست القاعدة الحقيقية التي نستخدمها
«أؤمن فقط بما أراه»
ولعلها
«أؤمن بما يوجد دليل كافٍ على الإيمان به»
كابلان
هذا وصف أدق
أحمد
بالضبط
وهذا التمييز أساسي
فعدم رؤية شيء ليس هو نفسه إثبات أنه غير موجود
غير المرئي لا يعني الخيالي
أحمد
انظر إلى الريح
هل تستطيع أن ترى الريح نفسها؟
كابلان
لا
أحمد
لكنّك ترى آثارها
تتحرك الأشجار
وتتطاير الأوراق
وتتكوّن الأمواج
وتحمل الريح الغبار
هل ستقول: «لا توجد ريح لأنني لا أستطيع رؤيتها»؟
كابلان
لا
أحمد
لماذا؟
كابلان
لأنني أستطيع رؤية آثارها
أحمد
جيد
والآن لاحظ المبدأ
أنت لا ترى الشيء نفسه، لكنك تتعرف إليه من خلال ما يفعله
وبالطبع، أنا لا أقول إن الله مثل الريح (حاشا لله). الله هو الخالق، والريح إحدى مخلوقاته
أنا أطرح نقطة أضيق نطاقًا
إن عجز عينيك عن إدراك شيء لا يثبت أنه غير موجود
هذا كل شيء
القرآن لا يأمرك بترك العقل
كابلان
لكن الإسلام يطلب من الناس الإيمان بإله غير مرئي
أليس هذا إيمانًا أعمى؟
أحمد
لا
الإسلام يعلّم الإيمان بالغيب
قال الله تعالى
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
القرآن الكريم - سورة البقرة - الآية 3
لكن الإيمان بالغيب لا يعني الإيمان بأي شيء يخترعه شخص ما
فالإسلام يدعوك إلى التفكير والتدبر والملاحظة واستخدام عقلك
وقد أوضح النبي محمد صلى الله عليه وسلم هذا الأمر أكثر
روى جرير بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى القمر ليلة البدر وقال إن المؤمنين سيرون ربهم كما يرون القمر، من غير مشقة في رؤيته. وهذا ثابت في صحيح البخاري.
وجاء في رواية صحيحة أخرى
إنكم سترون ربكم عيانًا
وهي ثابتة في صحيح البخاري
كابلان
إذن الإسلام لا يقول إن الله لا يمكن رؤيته أبدًا
أحمد
صحيح
بل الله لا يُرى منا في هذه الحياة الدنيا، وسيراه المؤمنون في الآخرة
ونحن نثبت ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه
الله ليس كمثله شيء
أحمد
هذا من أهم المبادئ في الإسلام
قال الله تعالى
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
سورة الشورى 11
ونحن نثبت ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم
ولا نحرّف معاني صفاته
ولا ننكر شيئًا منها
ولا نكيّف صفاته
ولا نشبّه الله بخلقه
الله هو الخالق
ونحن مخلوقون
علمنا محدود، وعلمه سبحانه محيط بكل شيء
قدرتنا محدودة، وقدرته كاملة
ونحن محتاجون إليه، وهو الغني عن العالمين
ولهذا لا يصح أن يقول المسلم
يجب أن أرى الله كما لو كان الله شيئًا داخل الكون (حاشا لله)
بل يسأل المسلم
ماذا أخبرني خالقي عن نفسه، وما الآيات التي أعطاني إياها؟