إن من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة الثبات على الدين، والاعتزاز بالحق، والوضوح في العقيدة دون خفاء أو التواء. وإن من أخطر ما يهدد دين المسلم أن يتنازل عن شيء من ثوابته الشرعية لمجاراة المجتمع أو الأصدقاء، أو طلباً لرضا الناس، وهذه هي المداهنة في الدين
فالمداهنة هي التنازل عن شيء من الدين، أو إقرار الباطل أو تزيينه، طلباً لرضا الناس أو لمصلحة دنيوية، وأصلها من الدُّهن، لما فيها من التليين والمصانعة. أما المداراة فهي لين الجانب وحسن الخلق وبذل شيء من أمور الدنيا لتحصيل مصلحة أو دفع مفسدة، من غير ترك شيء من الدين؛ فالمداراة مشروعة، والمداهنة محرمة
وفي هذا المقال بيان شرعي يفرّق بين الهدي النبوي الثابت على الوحي، وبين بعض صور المداهنة والتنازل عن ثوابت الدين لإرضاء الآخرين، ثم بعض الأمثلة الواقعية للمداهنة في بيئات الحياة المختلفة مع بيان حكمها
أولاً: صور المداهنة في الدين: التنازل عن الثوابت، وتزيين الباطل، والسكوت عن المنكر
التنازل عن ثوابت العقيدة لإرضاء الآخرين
الهدي النبوي والتوجيه الشرعي: رفض ﷺ مساومة قريش في العبادة، فنزلت سورة الكافرون حاسمة: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
واقع المداهنة اليوم: بدلاً من بيان الفوارق العقدية والاعتزاز بالإسلام، تمييعُها والمشاركةُ في الشعائر المخالفة للإسلام، بدعوى «التعايش» و«وحدة الأديان» و«مواكبة العصر» لإرضاء الآخرين
الحكم الشرعي: الإسلام هو الدين المقبول وحده عند الله: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85]. أما التعايش السلمي والعدل وحسن المعاملة فليست مداهنة، وإنما المداهنة إقرار الباطل أو الاشتراك فيه
تغيير الحكم الشرعي في الكلام حتى لا يغضب الناس
الهدي النبوي والتوجيه الشرعي: قال تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: 49]، وكان ﷺ يحكم بالحق ولا يغيّر حكم الله لإرضاء الخلق
واقع المداهنة اليوم: بدلاً من بيان الأحكام الشرعية القطعية كما هي، تبديلُها، أو تطويعُ الفتاوى في البرامج والكلام العام، إرضاءً لغير المسلمين أو لأهل الأهواء
الحكم الشرعي: لا يجوز كتمان الحق أو تحريفه أو تغيير الحكم الشرعي الثابت لإرضاء الناس؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 42]
تزيين الباطل ومدحه لإرضاء أصحابه
الهدي النبوي والتوجيه الشرعي: كان ﷺ يعامل المنافقين بحسب الظاهر، ولم يداهنهم في أحكام الدين؛ فهدم مسجد الضرار، وبيّن القرآن باطلهم [التوبة: 107-110]
واقع المداهنة اليوم: بدلاً من بيان الحق في المنكرات المحرمة شرعاً بالحكمة، مدحُها، أو تزيينُها ووصفُها بـ«الانفتاح» و«الحرية الشخصية» إرضاءً لأصحابها ومجاراةً لهم
الحكم الشرعي: يحرم تزيين الباطل أو مدح المنكرات المحرمة، والواجب بيان الحق بالحكمة؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113]
السكوت عن الاستهزاء بالدين مجاملةً وتجنباً للإحراج -مع القدرة على الإنكار أو المغادرة- يُعدّ مداهنة محرمة
الهدي النبوي والتوجيه الشرعي: نهى الله عن القعود في مجالس المستهزئين بآياته، وأمر ﷺ بتغيير المنكر بحسب الاستطاعة: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده...» (رواه مسلم)
واقع المداهنة اليوم: بدلاً من الإنكار أو مفارقة المجلس، السكوتُ عن الطعن في أحكام الشريعة أو السخرية من شعائر الدين في المجالس العامة أو على المنصات خوفاً من الإحراج الاجتماعي
الحكم الشرعي: يجب إنكار المنكر بحسب الاستطاعة، فإن عجز عن تغييره أنكره بقلبه، ولا يجلس في مجلس يُستهزأ فيه بآيات الله إذا استطاع مفارقته؛ قال تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء: 140]
ترك إظهار الشعائر الواجبة خوفًا من الناس يُعدّ إثمًا، ويتحول إلى مداهنة محرمة إذا كان الدافع وراءه هو مجاملتهم
الهدي النبوي والتوجيه الشرعي: قال الله تعالى: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 13]، وقال ﷺ: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» (رواه أحمد)
واقع المداهنة اليوم: بدلاً من إظهار الشعائر الواجبة والاعتزاز بها، تركُ إظهارها، مثل الصلاة أو الحجاب، خوفًا من الناس، وهو إثم، وهو أيضًا مداهنةٌ محرمةٌ إذا كان الدافع وراءه مجاملتهم؛ كمن يترك الصلاة في اجتماعات العمل والمناسبات تجنبًا للإحراج، أو تتخلى المرأة عن حجابها في الوظيفة
الحكم الشرعي: لا يجوز ترك واجب شرعي أو ارتكاب محرَّم خوفاً من سخرية الناس ومجاراتهم؛ والثبات على شعائر الإسلام من العزة بالدين، مع مراعاة الرخص الشرعية حيث وجدت
ثانياً: أمثلة واقعية من المداهنة في بيئات الحياة المختلفة مع بيان الحكم الشرعي
في بيئة العمل والوظيفة
التستر على الغش المهني مجاملة مع القدرة على النصح أو الإبلاغ
المثال: يرى الموظف زميله في المختبر أو مصنع الأغذية يُزَوِّرُ تواريخ الصلاحية أو يقلل نسب المواد الخام لتوفير الأرباح، فيسكت ولا يبلغ الإدارة مجاملةً لزميله، مع قدرته على النصح أو الإبلاغ، ولو بأخف الطرق ضرراً عليه، كالإبلاغ السري للجهات الرقابية
الحكم والدليل: محرم؛ فالغش كبيرة وقد يضر بصحة الناس، قال ﷺ: «من غشنا فليس منا» (رواه مسلم)، والواجب النصيحة بالحكمة وبالطريق الأقل ضرراً: «الدين النصيحة» (رواه مسلم)
تأييد المدير في ظلمه مجاملةً له وكسباً لرضاه، وهو أشد من المداهنة؛ لأنه مشاركة فعلية في الظلم
المثال: يقرر مدير الدائرة خصم حوافز موظف مجتهد أو حرمانه من الترقية بسبب خلاف شخصي، فيؤيده بقية الموظفين في الاجتماع كسباً لرضاه وضماناً لمصالحهم، مع قدرتهم على نصحه أو الاعتراض بالحكمة، ولو بأخف الطرق ضرراً عليهم
الحكم والدليل: محرم؛ لأنه إعانة على الظلم ومشاركة فيه. قال ﷺ: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا»، فقالوا: كيف ننصره ظالماً؟ قال: «تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ» (رواه البخاري)، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: 113]
التغاضي عن الرشوة والهدايا المقنَّعة مجاملةً مع القدرة على الإنكار أو الإبلاغ
المثال: يرى موظف زميله يتلقى «هدايا» ومبالغ من المراجعين لتسهيل معاملاتهم خارج النظام، فيبتسم له مجاملةً ويغضّ الطرف، مع قدرته على الإنكار أو الإبلاغ، ولو بأخف الطرق ضرراً عليه كالإبلاغ السري للجهات الرقابية، بحجة «ما لي دخل، كل واحد حسابه على الله»
الحكم والدليل: الرشوة محرمة ولا يغيّر اسم «الهدية» حكمها؛ فقد جاء في الحديث: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» (رواه أبو داود والترمذي). والسكوت عنها مع القدرة على الإنكار أو الإبلاغ تفريط في النصيحة
في بيئة الدراسة
التستر على الغش في الاختبارات مجاملة مع القدرة على النصح
المثال: يرى الطالب زميله يغشّ في الاختبار، فيسكت مجاملةً له وحتى لا يُوصف بأنه واشٍ، مع قدرته على نصحه سراً بلطف، أو الامتناع عن إعانته، أو مساعدته على المذاكرة
الحكم والدليل: الغش محرم لقوله ﷺ: «من غشنا فليس منا»(رواه مسلم)؛ فيُنصح الزميل أولاً بالحكمة، فإن لم ينتهِ ورُجي دفع الضرر برفع الأمر إلى من يملك المنع فهو من النصيحة الواجبة
في المجالس والبيئة الاجتماعية
السكوت في مجالس الغيبة والنميمة مجاملة مع القدرة على الإنكار أو المفارقة
المثال: يجلس الشخص مع أقاربه أو أصدقائه فيبدؤون بنهش عرض شخص غائب وتشويه سمعته، فلا ينصحهم بالكفّ عن الغيبة والنميمة ولا يغادر المجلس، بل يستمع ويبتسم ويشاركهم الضحك مجاملةً لهم حتى لا ينفضّ المجلس
الحكم والدليل: الغيبة محرمة والمستمع المقرّ لها آثم: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: 12]، وقال ﷺ: «من ردّ عن عرض أخيه بالغيب ردّ الله عن وجهه النار يوم القيامة» (رواه الترمذي)
حضور السهرات المختلطة المشبوهة محرم لمن لا يقدر على الإنكار أو المفارقة ولو بلا مجاملة، لكنه يصير مداهنة إذا كان الدافع إرضاءهم
المثال: يتلقى الشاب دعوة إلى سهرة يعلم يقيناً أن فيها شرباً للمسكرات وأجواء مخلة، فبدلاً من أن ينصحهم بترك هذه الأماكن يذهب للسهر معهم، مجاملةً لهم حتى لا يقولوا: تغيّرت علينا وأصبحت متشدداً
الحكم والدليل: لا يجوز حضور مجالس المنكر لمن لا يقدر على إنكارها أو مفارقتها؛ قال ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فَلَا يَجْلِسَنَّ على مائدة يُدار عليها الخمر» (رواه الترمذي وأحمد)، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء: 140]
في محيط الأسرة والتربية
سكوت الأب عن تبرج ابنته أو تقليعات ابنه المخلة مجاملةً لهما وطلبًا لرضاهما مع قدرته على النصح
المثال: يرى الأب ابنته تخرج غير محجبة وبملابس متبرجة ضيقة واضحة المنكر، أو يرى ابنه يقلد تقليعات مخلة بالآداب الشرعية، فيسكت ولا ينصح مجاملةً لهما طلباً لرضاهما مع قدرته على النصح
الحكم والدليل: محرم؛ فالأب مسؤول عن رعيته: «والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيته» (متفق عليه)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]؛ والواجب النصح بالرفق والحكمة والقدوة الحسنة
تَرْكُ الوالدين نصحَ أبنائهم البالغين بالمحافظة على الصلاة، مجاملةً لهم وطلباً لرضاهم، مع قدرتهما على الأمر والمتابعة
المثال: يرى الوالدان أبناءهما البالغين غير منتظمين في الصلاة، فلا ينصحانهم بها مجاملةً لهم وطلباً لرضاهم، مع قدرتهما على الأمر والمتابعة
الحكم والدليل: الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين؛ قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: 132]، فيجب على الوالدين تذكير الأبناء البالغين بالصلاة ونصحهم بالرفق والحكمة والمتابعة، ولا يجوز التهاون في ذلك خوفاً من غضبهم
السكوت عن إساءة الزوجة لأبوي الزوج مجاملة لها مع قدرته على منعها ونصحها
المثال: يرى الزوج زوجته تسيء معاملة والديه الكبيرين وتهجرهما وتتكلم عنهما بسوء، فيصمت مجاملةً لها مع قدرته على منعها ونصحها
الحكم والدليل: مداهنة محرَّمة وتفريط في واجب برّ الوالدين المفروض عيناً؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]. فالزوج يملك القوامة والقدرة على منع إساءة زوجته لأهله، وصمته تركٌ لواجب يقدر عليه. والواجب نصحها بحكمة ومنع الأذى عن والديه، مع العدل معها وإعطائها حقوقها
في المناسبات والأفراح
مجاملة أهل العرس على حساب المنكرات مع القدرة على الإنكار أو المفارقة
المثال: يحضر الرجل حفل زفاف فيه أغانٍ ماجنة وموسيقى صاخبة واختلاط فاضح، فيجلس ويتفرج ويبدي إعجابه بكل ما يرى مجاملةً لأهل العروسين وحتى لا يقال: «أفسدت علينا فرحتنا»، مع قدرته على الإنكار أو المفارقة
الحكم والدليل: الفرح المباح مشروع، وقد رخّص الشرع في إعلان النكاح بالدف والإنشاد المباح لقوله ﷺ: «فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ الدُّفُّ وَالصَّوْتُ فِي النِّكَاحِ» (رواه الترمذي والنسائي). أما حضور المنكر دون إنكار ولا مفارقة مع القدرة فمحرم
في الأسواق والتجارة
السكوت عن الكذب في البيع وإخفاء العيوب مجاملةً مع القدرة على النصح أو المفارقة
المثال: يرى التاجر شريكه أو زميله يخفي عيب السلعة أو يحلف كاذباً لترويجها، فيسكت مجاملةً له، مع قدرته على نصحه، أو بيان العيب للمشتري، أو مفارقته إن أصرّ على الغش
الحكم والدليل: محرم؛ قال ﷺ: «البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما» (متفق عليه)
في وسائل التواصل الاجتماعي
مجاراة المحتوى المسيء للدين مجاملةً لصاحبه مع القدرة على الإنكار أو الإبلاغ
المثال: يرى الشخص منشوراً أو مقطعاً يسخر من الدين أو يروّج لمنكر، فبدلاً من أن ينكره بالحكمة، أو ينصح صاحبه على الخاص، أو يبلّغ عنه إدارة المنصة، أو يردّ عليه ببيان الحق، يضع له إعجاباً أو يشاركه أو يعلّق ضاحكاً مجاملةً لصاحبه أو لمتابعيه
الحكم والدليل: الإعجاب والمشاركة تأييد وإعانة على نشر الباطل؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. والواجب الإنكار بحسب الاستطاعة أو الإعراض عنه
في مجال العلم والدين
تمييع الفتوى لمجاملة وإرضاء السائل
المثال: يُسأل أحدهم عن دبلة الخطوبة أو الزواج، فيتعمد كتمان الحكم أو تمييعه بالمراوغة، أو يتهرب بفضّ المجلس بدعوى «الفتنة»، كسباً لرضا السائل، فلا يبيّن أن لبسها باعتقاد الربط والمحبة شرك وتِوَلة، وأنها بدون هذا الاعتقاد مكروهة، وأن تركها أولى ترفعاً عن تقليد غير المسلمين
الحكم والدليل: تحريف الحكم الشرعي أو تمييعه لإرضاء السائل محرم؛ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159]. والدين يسر حقاً، لكن اليسر لا يكون بترك الأحكام، ولا يُعرض الخلاف إلا حيث يوجد خلاف معتبر
الميزان الشرعي في التعامل مع المداهنة
أولاً: ذمّها الله تعالى وجعلها من تمنيات أهل الباطل: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: 9]، وبيّن أن السكوت عن المنكر كان سبباً في لعن بني إسرائيل: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 79]
ثانياً: تقديم رضا المخلوق على رضا الخالق خلق مذموم يضعف الإيمان؛ قال ﷺ: «مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)
ثالثاً: من استمرأ السكوت عن المنكر خُشي عليه أن يضعف إنكار قلبه، وقد جعل النبي ﷺ الإنكار بالقلب أضعف الإيمان (رواه مسلم). والواجب إنكار المنكر بحكمة وأدب بحسب الاستطاعة، فإن لم يستطع فليفارق المكان إن استطاع تبرئةً لذمته
والشريعة تأمر بالرفق واللين والمداراة، أي الرفق بالجاهل وسلوك الحكمة في تعليم الناس دون التنازل عن الحق، وتحرّم المداهنة، وهي إقرار الباطل أو تزيينه أو التنازل عن شيء من الحق إرضاءً للناس
خطورة المداهنة وعاقبتها
إن المتأمل في هذه السلسلة من التنازلات يدرك خطر المداهنة؛ فالانحراف قد يبدأ بتنازل صغير بحجة المجاملة ومجاراة الناس، ثم يتدرج حتى يهون في القلب ترك بعض أحكام الشرع، ويصبح الباطل مألوفاً والحق غريباً
ومن أخطر عواقب المداهنة: ذوبان التميز الإسلامي، وإيثار رضا المخلوقين الزائل على رضا الله تعالى، والتعرض لسخطه. ولن يرضى أهل الباطل عن المسلم بمجرد مجاملته لهم؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ﴾ [البقرة: 120]
فيجب على المسلم أن يعتز بدينه ويجعل رضا الله غايته العظمى، فيقدّمه على رضا الخلق، مع الثبات الكامل على ثوابت الشريعة والعقيدة الإسلامية. وعليه أن يجمع بين الثبات على الحق والعدل والإحسان وحسن الخلق مع غير المسلمين، دون أن يظلمهم أو يسيء إليهم، ودون أن يتنازل عن دينه أو يقرّ باطلاً أو يعين على إثم، فيكون رحيماً دون ضعف، وعادلاً دون مداهنة، وثابتاً على التوحيد والسنة دون جفاء. ومن وقع في التقصير أو المداهنة فليبادر بالتوبة النصوح وتصحيح مساره، ولا يقنط من رحمة الله الواسعة الذي يغفر الذنوب جميعاً